قراءة تحليلية في الفصول الثلاثة الأولى من عام 2025 للائتمان المقدم من المصارف العراقية إلى عشرين قطاعاً اقتصادياً، مع تشخيص للاختلالات الهيكلية في توزيع الإقراض وتقديم مقترحات سياساتية لإعادة توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية وتعزيز مساهمته في التنمية الاقتصادية المستدامة.
| # | القطاع الاقتصادي | Q1 2025 | Q2 2025 | Q3 2025 | الحصة% | النمو Q1→Q3 |
|---|---|---|---|---|---|---|
| الإجمالي | 71,273,186 | 71,481,727 | 73,940,711 | 100.0% | +3.74% | |
ارتفع الائتمان العقاري من 108 مليار إلى 7.29 ترليون دينار بين Q1 وQ3. جزء كبير من هذه القفزة يعود إلى إعادة التصنيف، لكنه يعكس أيضاً توسعاً حقيقياً مدفوعاً بمبادرات البنك المركزي للإسكان، وكون العقار يمثل الضمانة الأكثر قبولاً لدى المصارف العراقية في ظل ضعف منظومة الضمانات المنقولة.
نما الائتمان الزراعي من 562 مليار إلى 1.96 ترليون دينار، مستفيداً من مبادرات المصرف الزراعي والإقراض المدعوم. غير أن حصته من إجمالي الائتمان لا تزال هزيلة (2.66%) ولا تتناسب مع أهمية الأمن الغذائي وقدرة القطاع على امتصاص العمالة وتقليل فاتورة الاستيراد.
وصل الائتمان للتشييد إلى 10.98 ترليون دينار في Q3، مدفوعاً بالإنفاق الاستثماري الحكومي على المشاريع وضمانات السلف المقاولاتية، وكذلك التمويل المرتبط بالعقود الحكومية التي توفر تدفقات نقدية شبه مضمونة للمصارف الممولة.
تراجع الائتمان التجاري من 18.32 ترليون إلى 7.63 ترليون دينار. السبب الرئيسي إعادة توزيع البنود إلى تصنيفات أدق (الأنشطة العقارية، قطاعات أخرى)، لكن يضاف إليها تباطؤ تمويل التجارة بفعل إجراءات الشفافية في تحويلات الاستيراد وتشدد البنك المركزي في نافذة بيع العملة.
تراجع الائتمان من 999 مليار إلى 278 مليار دينار، ما يعكس ضعف الطاقة الإنتاجية للمصانع العراقية في هذا القطاع وضغط المنافسة من المنتج المستورد، إضافة إلى عزوف المصارف عن تمويل قطاع يفتقر إلى ضمانات صلبة وتاريخ ائتماني واضح.
يهيمن هذا البند على المحفظة بـ19.42 ترليون دينار، وهو يضم في جزء كبير منه القروض الشخصية الممنوحة لموظفي الدولة مقابل خصم الراتب، عبر مصرفي الرافدين والرشيد. هذه القروض منخفضة المخاطر لكنها استهلاكية بطبيعتها ولا تُنتج طاقة اقتصادية إضافية، وتمول في الغالب الاستيراد.
يحتل بند "قطاعات أخرى" المرتبة الثانية بـ13.35 ترليون دينار. هذا الحجم الكبير يشير إلى ضعف في التصنيف الإحصائي ويُضعف القدرة الرقابية والتحليلية، ويُرجَّح أن يحوي تمويلاً للأفراد ومحافظ بطاقات ائتمانية وقروض غير مصنفة بدقة.
تراجع الائتمان من 1.67 ترليون إلى 1.35 ترليون دينار، مما يعكس الصعوبات المستمرة التي يواجهها قطاع الحديد والصلب العراقي أمام منافسة الواردات (لا سيما من تركيا وإيران والصين)، وارتفاع تكلفة الطاقة وضعف القدرة على توسيع الطاقة الإنتاجية بدون تمويل متوسط وطويل الأجل.
تستأثر المصارف الحكومية (الرافدين والرشيد) بنحو ثلاثة أرباع الائتمان، وتتجه نحو القروض المضمونة برواتب الموظفين العموميين لانخفاض مخاطرها وسهولة إدارتها، على حساب التمويل المنتج الذي يتطلب تقييم ائتماني وتحمل مخاطر تشغيلية.
ضعف منظومة المعلومات الائتمانية، وغياب سجل ضمانات المنقولات الفعّال، وعدم نضج التقييم العقاري المهني، كلها تدفع المصارف لتفضيل الإقراض المضمون بالعقار أو الراتب، وتجنب تمويل المشاريع الإنتاجية حيث تكون المخاطر أصعب في القياس والتسعير.
هيكل ودائع المصارف العراقية يميل بشدة نحو الودائع تحت الطلب وقصيرة الأجل، مما يخلق فجوة استحقاق تجعل تمويل الاستثمار طويل الأجل مكلفاً ومخاطراً. غياب أدوات التمويل طويل الأجل (سندات شركات، صكوك إنتاجية) يفاقم المشكلة.
القطاع الخاص الإنتاجي يجد نفسه مزاحماً من جهتين: الإنفاق الحكومي الاستهلاكي الذي يموّل الطلب على المستورد، والمنافسة المباشرة من السلع المستوردة المدعومة بسعر صرف مستقر. النتيجة: انخفاض جدارة الاقتراض للمنتج المحلي، فيُحجم عنه التمويل.
إنشاء صندوق ضمان وطني للائتمان الصناعي والزراعي بضمانة سيادية جزئية، يغطي 70–80% من مخاطر التعثر، لتمكين المصارف من تمويل المشاريع الإنتاجية دون اشتراط الضمانة العقارية الكاملة. النموذج: KAFALA السعودي وKredit Garantie المصري.
على غرار مبادرة الإسكان الناجحة، إطلاق مبادرات بقيمة 2–3 ترليون دينار بأسعار تمويل تفضيلية للقطاعات الصناعية ذات الأولوية (الغذائية، الكيماوية، البناء) والإنتاج الزراعي، مع آلية مراقبة الأثر الفعلي على الناتج والتشغيل.
إعادة هيكلة المصرف الصناعي والمصرف الزراعي والعقاري كبنوك تنمية حديثة بحوكمة مستقلة ورأس مال كافٍ وأدوات تمويلية متطورة (إجارة، مرابحة استثمارية، مشاركة)، بدلاً من بقائها كقنوات إقراض تقليدية محدودة الأثر.
تشريع وتفعيل سجل علني للضمانات المنقولة (مكائن، مخزون، ذمم مدينة، أسهم) يمكّن المصارف من قبول هذه الأصول كضمان معتد به قانوناً، وفك الاختناق الذي تخلقه شرطية الضمان العقاري الذي يحرم المنشآت الصغيرة والمتوسطة من التمويل.
تعديل تعليمات كفاية رأس المال لتخفيض الأوزان الترجيحية للمخاطر على القروض الممنوحة للقطاعات الإنتاجية المستهدفة بنسبة 20–30%، مما يحرر رأس مال إضافي للمصارف ويجعل الإقراض الإنتاجي أكثر جاذبية من الإقراض الاستهلاكي.
تفعيل سوق العراق للأوراق المالية لإصدار سندات الشركات والصكوك الإسلامية، مما يوفر تمويلاً متوسط وطويل الأجل للمشاريع الصناعية الكبرى ويخفف الضغط على المصارف، ويفتح قناة استثمارية للسيولة الفائضة.
تفكيك بند "قطاعات أخرى" المنتفخ (18% من الائتمان) إلى تصنيفات فرعية واضحة، وفصل القروض الشخصية عن قروض الأنشطة الاجتماعية، لتمكين صناع السياسة من قياس الأثر التنموي للائتمان بدقة وتوجيه التدخلات بكفاءة.
تخفيف العبء الضريبي على دخل المصارف من الإقراض الإنتاجي، وتقليل الاحتياطي القانوني على الودائع الموجهة للتمويل التنموي، مع ربط حصص نوافذ شراء العملة من البنك المركزي بأداء المصرف في التمويل المنتج.
توسيع منتجات المشاركة والمضاربة والاستصناع التي تمكّن المصارف الإسلامية من تمويل دورة الإنتاج الصناعية والزراعية بآليات تتقاسم المخاطر، بدلاً من حصرها في المرابحات قصيرة الأجل ذات الطابع التجاري الاستهلاكي.
دعم وتوسيع شركات تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بإطار تنظيمي محفّز، إذ تستطيع هذه الشركات الوصول إلى شرائح المنشآت الإنتاجية الصغيرة التي لا تخدمها المصارف، وتحديداً في قطاعات الزراعة والصناعات التحويلية الصغيرة وريادة الأعمال.
تكشف بيانات الفصول الثلاثة الأولى من عام 2025 عن اختلال هيكلي جوهري في توزيع الائتمان النقدي للجهاز المصرفي العراقي؛ إذ تستحوذ ثلاثة قطاعات فقط (الأنشطة الاجتماعية والإدارية، قطاعات أخرى، التشييد والبناء) على 59.2% من إجمالي المحفظة، في حين لا تتجاوز حصة القطاعات الإنتاجية الحقيقية (زراعة، صناعة تحويلية، استخراج) 9.05%.
هذا الهيكل يجعل الائتمان محايداً تنموياً أو حتى مُعيقاً للتنمية في بعض جوانبه، إذ يموّل الاستهلاك والاستيراد بدلاً من الإنتاج، ويُكرّس اعتماد الاقتصاد على الإنفاق العام والريع النفطي، ويُضعف قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على النمو والتشغيل.
المعالجة تتطلب تدخلاً مزدوجاً: تعديل البنية الحافزة للمصارف عبر أدوات البنك المركزي والسياسة الضريبية من جهة، وبناء البنية التحتية للمخاطر والضمانات من جهة أخرى، بحيث يصبح الإقراض الإنتاجي خياراً جاذباً للمصرف لا فقط واجباً وطنياً.